السيد الطباطبائي
56
تفسير الميزان
المعارج هذه مكية ] فيعول في ذلك على ما في بعض الروايات عن ابن عباس وابن الزبير أن سورة المعارج نزلت بمكة ، وليت شعري ما هو المرجح لهذه الرواية على تلك الرواية ، والجميع آحاد ؟ سلمنا أن سورة المعارج مكية كما ربما تؤيده مضامين معظم آياته فما هو الدليل على أن جميع آياتها مكية ؟ فلتكن السورة مكية ، والآيتان خاصة غير مكيتين كما أن سورتنا هذه أعني سورة المائدة مدينة نازلة في آخر عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وقد وضعت فيها الآية المبحوث عنها أعني قوله تعالى : " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك " ( الآية ) ، وهو كعدة من المفسرين مصرون على أنها نزلت بمكة في أول البعثة فإذا جاز وضع آية مكية ( آية : يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك ) في سورة مدنية ( المائدة ) فليجز وضع آية مدنية ( آية : سأل سائل ) في سورة مكية ( سورة المعارج ) . وأما قوله : [ وما حكاه الله من قول بعض كفار قريش ] إلى آخره ، فهو في التحكم كسابقه ، فهب إن سورة الأنفال نزلت قبل المائدة ببضع سنين فهل يمنع ذلك أن يوضع عند التأليف بعض الآيات النازلة بعدها فيها كما وضعت آيات الربا وآية : " واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله " ( البقرة : 281 ) ، وهى آخر ما نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عندهم في سورة البقرة النازلة في أوائل الهجرة وقد نزلت قبلها ببضع سنين . ثم قوله : [ إن آية : " وإذا قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق ، الآية " تذكير لما قالوه قبل الهجرة ] تحكم آخر من غير حجة لو لم يكن سياق الآية حجة على خلافه فإن العارف بأساليب الكلام لا يكاد يرتاب في أن هذا أعني قوله : " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم " لاشتماله على قوله : " إن كان هذا هو الحق من عندك " بما فيه من اسم الإشارة وضمير الفصل والحق المحلى باللام وقوله : " من عندك " ليس كلام وثنى مشرك يستهزئ بالحق ويسخر منه ، إنما هو كلام من أذعن بمقام الربوبية ، ويرى أن الأمور الحقة تتعين من لدنه ، وأن الشرائع مثلا تنزل من عنده ، ثم إنه يتوقف في أمر منسوب إلى الله تعالى يدعى مدع أنه الحق لا غيره ، وهو لا يتحمل ذلك ويتحرج منه فيدعو على نفسه دعاء منزجر ملول سئم الحياة . وأما قوله : [ وظاهر الرواية أن الحارث بن النعمان هذا كان مسلما فارتد ولم